حميد شباط و”محاكمة” القرن

19 فبراير 2017 - 20:31

في المزايدات الكلامية بين زعماء وقياديي الأحزاب السياسية المغربية حول تشكيل الحكومة، التي لم تتشكل حتى الآن إلا بالتنوين النحوي، لم يثر انتباهي إلا خرجة حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي وصف محاكمته “السياسية” المفترضة بمحاكمة القرن، وكأنه عمر المختار في مواجهته للاستعمار الإيطالي، أو نيلسون مانديلا في مواجهته، أو غيرهما ممن حوكموا على قضايا مصيرية لشعوبهم بأمعاء خاوية وفقر مدقع بدون عقارات ولا أرصدة بنكية.

إن هؤلاء الزعماء السياسيين الذين ابتلينا بهم هذه الأيام وبسبب بطانتهم الذين يصفقون لهم “على خلاها وعمارتها”، بسبب استغلال هؤلاء “الزعماء” لفقر هذه البطانة المقرون بالجهل، مما جعل هؤلاء الزعماء يعتقدون بأن أمور البلاد لا تستقيم دونهم، في حين أن الحكومة التي يتهافتون على المشاركة فيها أصبح يظهر من عدم تشكيلها بأن تدبير الشأن العام يدار بدونها من طرف الإداريين والتقنوقراط، وأن المواطن اليوم لم يعد يهمه تاريخ الحزب ولا رموزه ولا تصريحات زعمائه، بقدر ما يهمه ما سيتحقق على أرض الواقع من شغل وخدمات صحية وجودة تعليمية ومتابعات قضائية ضد ناهبي المال العام والمتلاعبين بمصالح المواطن والوطن وإسقاط ريع تقاعد البرلمانيين.. هذا التقاعد الذي لا يخضع لقوانين الوظيفة العمومية ومقتضيات أنظمة التقاعد.

إن الهرج والمرج الذي صاحب الانتخابات الأخيرة ويتزامن الآن مع بلوكاج الحكومة بأغلبيته ومعارضته لا ينم إلا عن مصالح شخصية وحزبية بهدف التناوب على كراسي المسؤولية بالمكر والدسائس، من أجل الوصول إلى نفوذ يفتح أبواب الثراء لشراء الذمم على حساب مصلحة المواطن، في حين أن الأغلبية والمعارضة في الدول العريقة في الديمقراطية تتنافس على تحقيق المصالح العامة لمجتمعاتها. فالنسبة الكبيرة من أحزابنا “السياسية” لا تقوم بما تعتقده لقاءات “تواصلية” إلا باقتراب الانتخابات الجماعية والتشريعية، ولا تقوم بتنظيم مؤتمراتها داخل كل أربع سنوات إلا خوفا من حرمانها من الدعم المالي الذي تستفيد منه من التمويل العمومي بدون وجه حق. وهذا يعد أقوى سبب لتخفيض عدد الوزراء والبرلمانيين.

ورجوعا إلى الخرجات اللامسؤولة لحميد شباط، فإنها تذكرني بأحد المسؤولين النافذين في القرن الماضي حينما سئل عن ترقيته للأغبياء من منافسيه، فكان جوابه بأنه يقوم بترقية هؤلاء الأغبياء بهدف رؤية مؤخراتهم بطريقة تمكنه من إسقاطهم سقطة لن ينهضوا بعدها أبدا. فالرجل ربما أينع “مجده” وحان سقوطه. إنها سنة الحياة طال المجد أو قصر. فهل كان شباط سيصرح بما صرح به لو كان متيقنا من الحصول على نصيبه من الكعكة الحكومية؟ إنها ثقافة الابتزاز السياسي من أجل المصالح الشخصية، وليس من أجل الصالح العام.

يجب الاعتراف بأننا افتقدنا الوازع الأخلاقي في تدبير الشأن العام، ولن تستقيم الأمور وترجع إلى نصابها إلا بتطبيق القانون على الجميع، بدون استثناء، مع ظروف التشديد ضد من يستغلون مناصبهم في نهب المال العام، والتلاعب بالمصالح العامة للبلاد والعباد، مما يهدد أمن و استقرار الوطن.

فهل من حياة لمن ننادي؟

الوسوم:, ,

اقرأ أيضا

اريري يكتب :طوبى لسكان العاصمة الاقتصادية: بائع متجول لكل 23 بيضاويا !

الأربعاء 14 أغسطس 2019 - 17:20

فاتح يكتب : جامعة الكرة تكرّس أخطاءها وفشل متواصل في اختيار المدربين

الأربعاء 7 أغسطس 2019 - 12:16

بلقاسم يكتب : الخطايا العشر للحركة الأمازيغية والوصايا العشر لمحبي الأمازيغية

الجمعة 7 يونيو 2019 - 22:51

بلقاسم يكتب: الأمازيغية تحتاج التعديل الدستوري وليس فتات القانون التنظيمي

الخميس 6 يونيو 2019 - 20:17

البكاري يكتب: الوعي بالثقافة الوطنية

الإثنين 3 يونيو 2019 - 21:33

عصيد يكتب :حول الأمازيغية ورموز الدولة، نقط على الحروف

الخميس 23 مايو 2019 - 16:05

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

0 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *