الشيطان وسعادة الإنسان

28 يناير 2017 - 13:00

الشيطان وسعادة الإنسان

في غالب الأحيان ما نعتقد أن الشيطان هو مركز الشر، ومنبعه الوحيد، هو الآمر بكل منكر، الناهي عن كل معروف، هو سبب نزول الجنس البشري إلى الأرض، ومصدر الشقاء والتعاسة، في كل مرة ينسب إليه جرم الإنسان ومعصيته “إبليس ولد الحرام دارها بي”.

في المقابل ألا يمكن أن نقول أن الشيطان هو مصدر السعادة ومصدر كل خير؟ وكيف يكون تصور الحياة من دونه؟

لما حاور الله جل وعلا الملائكة بجعل الإنسان خليفة له في الأرض ،بفكرها النوراني صاحت قائلة “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ”، وهكذا بدأت قصة الشيطان، وتربصه بالإنسان.. رفض السجود له، أخرجه من الجنة، ونقله من دار السعادة المطلقة إلى دار امتزجت فيها السعادة والشقاء، ومن القرب من خالقه إلى البعد عنه. تحقق قول الملائكة، عاث بنو آدم في الأرض فسادا، لكن كان جوابه تعالى ” إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.. يعلم الذي وسع كل شيء علمه، يعلم أن خيرية  الشيطان ممتدة  للناس، فلا أحد يجب يدخل في قلبه مثقال ذرة ظن أن كل ما في الكون بقدر، وأن ما في الأرض مسخر لخدمة الإنسان، “وسخر لكم ما في السماوات ومافي الأرض جميعا”، جميع ما ذكر هو لإسعاد الإنسان، من تم كان للشيطان دور في إدخال السعادة على قلب بن آدم.. لكن كيف ذلك؟

نحن متفقون بداية أن ما أجراه الخالق في الكون خير كله، حتي وإن لم يكن في ظاهر الأمر ففي باطنه فهو كذلك. قال تعالى “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”. المتدبر لآيات القرآن الكريم يقف وقفة متأمل حائر أمام قصة موسى والرجل الصالح، ليدرك انتهاء البصائر الربانية والإرشادات الإلهية. لا شك أنكم تساءلتم في بداية القصة عن فعل الرجل الشنيع، وأنه بدا وكأنه يفسد في الأرض، طبعا بغير العلم الذي أوتي الخضر سننكر عنه عمله، ولعل هذا ما فعل موسى فقال “قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا”، فجأة، وإذا بهذه الأعمال التي ظاهرها الشر باطنها الخير، حملت مصالح للعباد غفل عنها كثير من الناس.

بمنظار الرجل الصالح نسترشد الطريق، نبحث سرا وراء خلق ابليس الشرير كما يبدو لرأي العين.

إذا تأملنا في السنن الكونية نجد أن الأشياء تخرج من ضدها. قال تعالى “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. فلو افترضنا الدنيا من دون ابليس، المانح السعادة جوهرها، ويجعلها على الحقيقة، سيعيش الناس في أمن وسلام ورخاء وازدهار. لا عداوة ولا بغضاء. لا رذيلة ولا معصية. والكل سعيد ونشيط. بعد هذا هل سنكون سعداء حقا؟ لا أعتقد ذلك. فلا معنى لهذه السعادة. لقد أصبحت شيء عاديا ولا يمكن استشعار روحها، ولا التنعم بلحظاتها، ولسان واقعنا يقول إذا أردت أن تسلب خصمك نشوة الانتصار، تبارك له انتصاره، حينها لا يبقى أي معنى لانتصاره.

مِؤكد أنه مر بك يوم من الضنك والتعاسة والضيق. في اعتقاد الكثير من الناس أن الشيطان وراء ذلك. وبعد ما تنفرج كربتك تتغشى روحك السكينة والطمأنينة. حينها تستشعر أن للحياة معنى جديد. لا أدري إن كنت قد أدركت الآن دور المخلوق العجيب في منحك السعادة. لكن تأكد دائما أن في شره خير، أدركته أم لم تدركه.

– الشيطان وتفعيل أسماء الله وصفاته :

لا يمر بنا يوم لا نجد فيه أنفسنا مقصرين في حق من حقوق الله أو عباده. وإذا سألتك عن السبب، جعلت الشيطان في دائرة المتهمين. وهذا حال السواد الأعظم من الناس. فتذكر الذنوب والمعاصي يجعل عقلك آليا ينسبها إلى الشيطان. أنت الآن تحتاج إلى توبة. ولتقف أمام ربك راجيا المغفرة، قائلا في دعائك، يا تواب تب علينا، يا غفار اغفر ذنوبنا، فأنت إذ ذاك تقر باسم الله التواب، تقر بسم الله الغفار. من العيب أن تنسب اقرارك هذا إلى نفسك وقد نسبته ضمنيا إلى ابليس اللعين. وفي الجانب الآخر، عباد لله عصمهم، أوجد لهم الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم مخرجا لإثبات أسمائه وصفاته جل وعلى بقوله “إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة “. وقد قال في حديث آخر ‘لولا أنكم تذنبون وتتوبون لأبدلكم الله بقوم يذنبون ويتوبون”، أتذكر قوله تعالى “إني أعلم ما لا تعلمون”

– الشيطان محرار إيمان العبد:

من عادة الخالق سبحانه ابتلاء عباده المؤمنين ليمحص الذين آمنوا ويمحق المنافقين، ويعلم اللذين صدقوا في إيمانهم والكاذبين، فكلما زادت حرارة الإيمان في القلب، اشتدت الفتن على صاحبه، وزاد معه حرص الشيطان على الإغواء. قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ){ محمد : 31 }.

سُئِل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:﴿ أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ أي ليبتلينا أم ليمكِّننا، فقال رحمه الله: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى، قال تعالى:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾ [ سورة العنكبوت ].

الجميع يدعي الإيمان. تسمع معظم المنتسبين إلى الرقعة الجغرافية الإسلامية يهتف بالقول أنا مسلم، أنا مؤمن، أحب الله  ورسوله، وفي كل المناسبات تتردد هذه الكلمات على مسامعنا. في غالب الأحيان نسلم أنهم كذلك، فما نلبث إلا عشية أو ضحاها حتى تنكشف حيلتهم، ويزول قناعهم، وتفضح سريرتهم، ولكم فيما يحدث في العالم عبرة يا أولي الأبصار (مصر، تركيا، سوريا، والحرب الأخيرة على غزة). لعلكم سمعتم عن تلك الكائنات التي باعت دينها بثمن بخس، وقد كنا بالأمس القريب نعتقد أنهم أول مدافع عن شوكة الإسلام، وأنها الحامي لبيضته. أعرفتم كيف تجري الأمور؟ وتيقنتم ما سبب خلق اللعين إبليس إلى يوم يبعثون؟

قد يعتقد البعض أني أناصر إبليس وأثأر له، وأنه بالجمال الذي ذكرته. لكن، أجزم أنه كذلك، عند أولئك الأبطال، الذين استطاعوا أن يفهموا حقيقة الوجود، ويتقنوا أبجدياته. أولئك الذين اطمأنت قلوبهم للعين إبليس، حقا هم كذلك، فهم موقنون أنهم ليس له عليهم سلطان “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان”، فهم أعلاه قدرا، وأرفعهم منه منزلة، “ولقد كرمنا بني آدم”، يستشعرون إغوائه، وبالأذكار والدعوات يطردونه. فكلما أخذ بزرع اليأس والقنوط في أنفسهم، وجدها ممتلئة برحمة الله.

إذن ما يجب أن تتيقن منه أنك أنت من يقرر مصيرك. أسعيدا تكون أم شقيا. أتأخذ عضويتك في حزب الله أم حزب الشيطان؟ فلك الاختيار

اقرأ أيضا

اريري يكتب :طوبى لسكان العاصمة الاقتصادية: بائع متجول لكل 23 بيضاويا !

الأربعاء 14 أغسطس 2019 - 17:20

فاتح يكتب : جامعة الكرة تكرّس أخطاءها وفشل متواصل في اختيار المدربين

الأربعاء 7 أغسطس 2019 - 12:16

بلقاسم يكتب : الخطايا العشر للحركة الأمازيغية والوصايا العشر لمحبي الأمازيغية

الجمعة 7 يونيو 2019 - 22:51

بلقاسم يكتب: الأمازيغية تحتاج التعديل الدستوري وليس فتات القانون التنظيمي

الخميس 6 يونيو 2019 - 20:17

البكاري يكتب: الوعي بالثقافة الوطنية

الإثنين 3 يونيو 2019 - 21:33

عصيد يكتب :حول الأمازيغية ورموز الدولة، نقط على الحروف

الخميس 23 مايو 2019 - 16:05

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

0 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *